حسن الأمين
60
مستدركات أعيان الشيعة
سرا في سجنه سنة ( 416 ) ( 1 ) . 9 - لم يلجا الحاكم إلى القوة تجاه آل الجراح ، كما تحاول بعض الروايات أن تقول ، بل كان عليه أن يستنفد الوسائل الأخرى قبل ذلك ، فقد كان يعلم حق العلم ما بين أفراد بني الجراح من خلاف ، كما كان خبيرا بالمغمز الضعيف في نفسياتهم ، ولهذا استغل سحر « الأصفر الرنان » - الذي يرقص على الظفر ويدعو إلى الكفر - فأرسل أموالا طائلة تفرق على الصغير والكبير من آل الجراح . وكانت حصة حسان وكل واحد من إخوته خمسين ألف دينار سوى هدايا وثياب وحظايا تهدى إليهم . وفي الوقت نفسه طمان الحاكم حسان حول مصرع يارختكين وسهله عليه ( 2 ) كأنه يقول له إنه مستعد لنسيان تلك الحادثة إذا هو خذل أبا الفتوح . وتكشف شره حسان الحقيقي حين سمع بالمال والحظية ، وأرسل أمه إلى مصر ومعها تذكرة بما يريده من حوائج ، وفي جملتها أن تهدى إليه جارية من إماء القصر ، وأن ينال إقطاعا وتقريرا ، فتكفل له الحاكم بكل ما طلب ، وكتب له أمانا بخطه ، وجهز له جارية تحمل كمية طائلة من المال ، ولأبيه كذلك ( 3 ) 10 - لم يكن أبو الفتوح بحاجة إلى أن يرى حسان يرفل في الخلع التي بعثها الحاكم له حتى يستيقن بان المسرحية قد قاربت النهاية ، فقد كانت نيات آل الجراح نحوه قد أخذت تتغير . فذهب إلى ابن المغربي وقال له : « أغويتني وأخرجتني من بلدي ونعمتي وإمارتي ، وجعلتني في أيدي هؤلاء ينفقون سوقهم بي عند الحاكم ، ويبيعوني بيعا بالدراهم ، فيجب عليك أن تخلصني كما أوقعتني ، وتسهل سبيلي بالعودة إلى الحجاز فاني راض من الغنيمة بالإياب ، ومتى لم تفعل اضطررت إلى أن أركب فرسي وأركب التغرير في طلب النجاة » ( 4 ) حاول ابن المغربي تشجيع الخليفة المخذول وتقوية عزيمته لكي لا يتخاذل ، فقيل إنه ذهب معه إلى المفرج والد حسان ، وأخبراه بتحول أبنائه عن نصرة أبي الفتوح ، وقيل إن ابن المغربي لم يجد الحل المناسب الذي يسعف به صاحبه على التو ، فلما طال الأمر على أبي الفتوح ذهب وحده لمقابلة المفرج سرا وقال له : « إني فارقت نعمتي وكاشفت الحاكم ، وذلك لركوني إلى ذمامكم ، وسكوني إلى مقامكم ، ولي في عنقك مواثيق ، وأنت أحق من وفى لمكانك من قومك ورئاستهم . وإن خير ما ورثه الإنسان ولده ما يكون له به الحمد والشكر وحسن الذكر ، وأرى حسانا ولدك قد أصلح نفسه مع الحاكم واتبعه أكثر أصحابه ، وأنا خائف من غدره بي ، وما أريد إلا العود إلى الوطن » ( 5 ) . 11 - وسواء أأصبح أبو الفتوح العلوي في جوار المفرج فكتب فيه إلى الحاكم بالعفو والمسامحة ، ورده إلى مكة ، أو كان هو الذي صحبه حتى أوصله إلى مكة ، أو بعث معه جماعة من طيئ ساروا معه حتى أوصلوه إليها ( 6 ) ، فالنتيجة في ذلك واحدة ، وهي : عودة أبي الفتوح إلى حجمه بعد انتفاخه ، وعودة آل الجراح إلى طاعة الدولة الفاطمية ، وخروج ابن المغربي من الوليمة « بغير حمص » كما يقال في المثل العامي وإخفاقه في الثار لنفسه ولأهله من « فرعون » الذي علا في الأرض . وينقل مؤلف العقد الثمين عن ابن خلدون أن بني الجراح قبضوا على أبي الفتوح وأسلموه إلى الحاكم وأنه راجع الطاعة فعفا عنه ( 7 ) ، وهذا خطا مبني على وهم . فابن خلدون لم يقل إن بني الجراح قبضوا على أبي الفتوح ، وإنما يقول أنهم « أسلموه » - ومعنى ذلك أنهم خذلوه ، ومما يؤكد هذا المعنى قول ابن خلدون في موطن آخر « فرداه ( أي أبا الفتوح ) إلى مكة ، وراجعا طاعة الحاكم وراجع هو كذلك » ( 8 ) . 12 - لم يكن المال هو العنصر الوحيد الذي أفسد على الشريف أبي الفتوح كل تطلعاته ، ثم أفسد تخاذله على ابن المغربي كل ما كان يعلقه من آمال على الثورة بل كانت خطة الحاكم مركبة محكمة ، حاول من خلالها أن يقوض كل ما يمكن أن يمنح الثورة قوة واستمرارا ، فعمل على إحباطها في الشام والحجاز في آن معا ، أما في الشام فقد عرفنا كيف تولى تحويل الثورة إلى الإفلاس ، وأما في الحجاز ، فإنه قطع الميرة عن الحرمين ( 9 ) ليمهد بذلك لثورة الرعية على أبي الفتوح ، ودس إلى مولى أبي الفتوح الذي كان ينقل له أخبار الحاكم واسمه أحمد بن أبي العلاء من قتله بوشاية عطار عليه ( 10 ) وكتب كتابا إلى ابن أبي الطيب وهو ابن عم أبي الفتوح وقلده الحرمين وأنفذ له ولشيوخ من بني حسن مالا وثيابا . وأسرعت الرسل إلى أبي الفتوح تخبره بما حدث فازداد قلقا وخاف خروج الحرمين من يده ( 11 ) ، وكان ذلك مما عجل في عودته إلى الطاعة وطلب العفو . 4 - بعد الثورة ولنرجع إلى ابن المغربي نفسه بعد إخفاق ثورته : تقول بعض المصادر إنه فر من الرملة إلى الموصل ، أو إلى ديار بكر ، وتتلطف بعض المصادر الأخرى في تصوير ذلك الفرار ، فهو لم يجمع عليه ثيابه متخفيا في النهار ساريا في الليل لئلا يكون ملاحقا ، بل إن خوفه من إرجاعه إلى الحاكم على يد بني الجراح جعله يطلب منهم أن يسيروا به - في حمايتهم - إلى العراق ، فبعث المفرج معه طائفة من بني بحتر الطائيين حتى أخرجوه من المناطق التي يشملها نفوذ المغاربة ( أي الفاطميين ) ( 12 ) ، ولكن كلا الأمرين فرار ناى بابن المغربي عن كل تفكير بالثورة أو الانتقام - بعد ذلك - من الحاكم . لما ذا لم يفكر ابن المغربي بطلب العفو من الحاكم وإصلاح حال الثرى الذي جف بينهما : أليس حسان الذي قتل يارختكين ، وأباح الرملة للأعراب ، أكبر منه ذنبا ؟ ألم يكن أبو الفتوح الذي نازع الحاكم الخلافة ،
--> ( 1 ) الوافي بالوفيات 22 : 116 . ( 2 ) العقد الثمين 4 : 71 . ( 3 ) ذيل تجارب الأمم : 238 . ( 4 ) العقد الثمين 4 : 71 - 72 واقتصر في أخبار الدول المنقطعة : 50 على قوله : « أنت أوقعتني فخلصني » وفي تاريخ أبي [ شبجاع ] شجاع : « إنما فارقت نعمتي وأبديت للحاكم صفحتي سكونا إلى ذمامك ، وأنا الآن خائف من غدر حسان ، فابلغني مامني وسيرني إلى وطني » . ( 5 ) العقد الثمين 4 : 72 وفي أخبار الدول المنقطعة : 50 أن أبا الفتوح وابن المغربي ذهبا إلى المفرج معا فقال لهما : وما تريدان مني ؟ فقال له العلوي : إن عليك حقا وأود أن تجازيني عليه بان تبعث معي من يوصلني إلى مكة ، ولا تحوجني أن أركب فرسي المسن وأهرب بنفسي فتتخطفني العرب ، وفي هذه الرواية في العقد ( 4 : 74 ) ولا تحوجني إلى أن أركب فرسا أملس . ( 6 ) العقد الثمين 4 : 74 ، 75 . ( 7 ) العقد الثمين 4 : 76 . ( 8 ) تاريخ ابن خلدون 4 : 102 . ( 9 ) تاريخ ابن خلدون 4 : 57 . ( 10 ) الوافي بالوفيات 22 : 116 . ( 11 ) ذيل تجارب الأمم : 238 ، وقارن به أعلام النبلاء 15 : 129 . ( 12 ) أخبار الدول المنقطعة : 50 .